ترحمة

سيرة متعلقون أصحاب شعراء ما كتب فيهم

 

شجاعة الإمام الحسين ( عليه السلام )

لم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع ، ولا أربَطُ جأشاً ، ولا أقوى جناناً من الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

فقد وقف ( عليه السلام ) يوم الطف موقفاً حيَّر فيه الألباب ، وأذهل فيه العقول ، وأخذت الأجيال تتحدثُ بإعجاب وإكبارٍ عَن بَسَالَتِه ، وصَلابة عَزمه ( عليه السلام ) ، وقد بُهِر أعداؤه الجبناء بِقوَّة بَأسه .

فإنَّه ( عليه السلام ) لم يضعف أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه ، وكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلما ازاداد الموقف بلاءً ومحنة .

فإنَّه ( عليه السلام ) بعد ما فقد أصحابه وأهل بيته ( عليهم السلام ) زحف عليه الجيش بأسره ، وكان عدده – فيما يقول الرواة – ثلاثين ألفاً .

فحمل عليهم وَحدهُ وقد مَلَك الخَوفُ والرُعب قلوبهم ، فكانوا ينهزمون أمامَه كالمعزى إذا شَدَّ عليها الذئب – على حَدِّ تعبير الرواة – .

وبقي ( عليه السلام ) صامداً كالجبل ، يتلقى الطعنَات من كل جانب ، ولم يُوهَ له ركن ، وإنما مضى في أمره استِبْسَالاً واستخفافاً بالمنية .

وقال أحد شعراء أهل البيت ( عليهم السلام ) :

فَتلقَّى الجُموعَ فرداً وَلكنْ

كُل عُضوٌ في الرَّوعِ منه جُموعُ

رُمحُه مِن بنَانِه ، وَكأنَّ من

عَزمِهِ حَدُّ سَيفِه مَطبوعُ

زَوَّجَ السَّيفَ بالنفوسِ وَلكنْ

مَهرُها المَوتُ وَالخِضَابُ النَّجِيعُ

ولما سقط ( عليه السلام ) على الأرض جريحاً وقد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش بأسره من الإجهاز عليه رعباً وخوفاً منه ( عليه السلام ) .

وقد صوَّر الشاعر ذلك المشهد بقوله :

عَفيراً مَتى عَايَنَتْهُ الكُمَاة

يَختَطِفُ الرُّعبُ أَلوَانَها

فَما أجلَت الحَربُ عَن مِثلِهِ

صَريعاً يُجَبِّنُ شُجعَانَها

وتغذى أهل بيته وأصحابه ( عليهم السلام ) بهذه الروح العظيمة ، فتسابقوا إلى الموت بشوقٍ وإخلاص ، لم يختلجْ في قلوبِهم رُعب ولا خوف ، وقد شَهدَ لهم عَدوُّهُم بالبَسَالة ورباطة الجأش .

فقد قيل لرجل شَهدَ يوم الطفِّ مع عمر بن سعد : وَيحك ، أقَتَلتُم ذُرِّيَّة رَسولِ الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟!!

فاندفع قائلاً : عَضَضْت بالجندل ، إنك لو شهدتَ ما شهدنا لَفعلتَ ما فعلنا ، ثارت علينا عِصابةٌ ، أيديها في مَقابِض سيوفِها كالأُسُود الضارِية ، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً ، وتُلقي أنفسَها على الموت ، لا تقبلُ الأمانَ ، ولا تَرغبُ في المال ، ولا يحولُ حائِلٌ بينها وبين الوُرودِ على حِياضِ المَنِيَّة ، والاستيلاءِ على المُلك ، فَلَو كَفَفْنَا عنها رُوَيداً لأتَتْ على نفوس العسكر بِحذافيرِه ، فَما كُنَّا فاعِلين ؟!! لا أُمَّ لَك !! .

ووصف أحد الشعراء هذه البسالة النادرة بقوله :

فَلو وَقَفَتْ صُمُّ الجبال مَكانَهم

لَمادَتْ عَلى سَهلٍ وَدَكَّت على وَعرِ

فَمِن قائمٍ يَستعرضُ النَّبلَ وجهُهُ

وَمِن مُقدِمٍ يَرمي الأَسِنَّة بِالصَّدرِ

وما أروع قول السيد حيدر الحلي :

دَكُّوا رُبَاها ثُم قالوا لَها

– وَقد جَثَوا – : نَحنُ مَكانَ الرُّبَا

فقد تحدَّى أبو الأحرار ( عليه السلام ) ببسالته النادرة الطبيعةَ البشرية ، فَسخَر من الموت ، وهَزأ مِن الحياة .

وقد قال ( عليه السلام ) لأصحابه حينما رأى سهام الأعداء تُمطِر عليهم :

( قُومُوا رَحِمَكُمُ اللهُ إلى المَوتِ الذي لا بُدَّ منه ، فإنَّ هذه السِّهام رُسُل القَومِ إِليكُم ) .

فنرى أنه ( عليه السلام ) قد دعا أصحابه إلى الموت كأنما هو يدعوهم إلى مأدبة لذيذة ، وقد كانت لذيذة عنده حقاً ، لأنه ( عليه السلام ) ينازل الباطل ، ويرتسم له بُرهَان رَبِّه الذي هو مَبدؤهُ ( عليه السلام ) .